محمد بن جعفر الكتاني

175

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

وغيرها . وكان يجمع في خطبه بين الترغيب والترهيب ، ويراجع كتاب سيدي عبد العظيم المنذري في ذلك ، ولا يتسامح في الأحاديث ، بل لا يذكر غالبا إلا ما صح أو حسن . وأعطي في نشر العلم القبول التام ، والحظوة الكاملة لدى الخاص والعام ، فكان له فيه مجلس حفيل ، معمور بالطلبة من كل جيل ، وله عند أهل وقته ظهور ومكانة وتعظيم ، وحظوة وجاه ورفعة وتكريم ، مع القيام على ساعد الجد والاجتهاد ، في التدريس وغيره مما ينفع العباد ، والدين المتين والتؤدة العظيمة ، والأخلاق الزكية الجسيمة ، والمروءة والحياء ، والوقار والاهتداء ، منقبضا عن السلطان ومن والاه ، زاهدا في عطاياه ، لا يأخذها ولا ينتفع بها ، بل يفرقها على من يستحقها . قرأ في حال صغره على الشيخ سيدي علي بن محمد قصارة الحميري شيئا من النحو ، وعلى إمام النحاة سيدي محمد الكندوز ، وتفقه على جماعة من أشياخ وقته : كأبي العباس ابن مبارك ، وأبي العباس الهلالي المقول فيهما : لولا الأحمدان لذهب المعقول من المغرب ، وأبي العباس الورزازي ، وأبي عبد اللّه جسوس ، واعتمد في الدراية والرواية قريبه أبا عبد اللّه محمد بن عبد السلام البناني ، واتصل به اتصال الكف بالساعد ، وانحاش إليه انحياش الولد للوالد ، وسافر معه لثغر تطوان في عام الخمسين ، في جملة من له اتصال به من الأهل والبنين ، لمجاعة كانت ، ثم لما عاد اللّه تبارك وتعالى بالخير ، ورجع الشيخ إلى وطنه بفاس ؛ عاد صاحب الترجمة معه . وتبرك - رحمه اللّه ورضي عنه - بغير واحد من الصالحين ، والأولياء العارفين ، وأخذ عنهم . وذلك : كالقطب مولاي الطيب الوازاني ، زاره مع والده وأخويه سيدي محمد ( فتحا ) وسيدي علي بوازان وأخذ عنه ، والقطب [ 162 ] مولاي أحمد الصقلي . وكان يأوي إليه ، ويعول في كثير من أموره عليه ، وباتصاله به كمل خيره ، وفاض سره . ولما رحل إلى الحجاز بقصد أداء فريضة الحج ؛ لقي هنالك أشياخ تلك البلاد ، وأفاد فيها واستفاد ، وكان من جملة من لقي بمصر : شيخ الحقيقة ، وبحر الشريعة : أبو عبد اللّه سيدي محمد ( فتحا ) بن سالم الحفناوي الشافعي المصري ، فأخذ عنه وتبرك به . وأخذ عنه هو جماعة من الشيوخ : كالشيخ أبي عبد اللّه بنيس ، والشيخ الطيب ابن كيران ، وسيدي حمدون ابن الحاج ، وأبي الربيع مولانا سليمان بن محمد الحوات ، وأبي محمد سيدي عبد القادر ابن شقرون ، وأبي العباس سيدي أحمد بن التاودي ابن سودة المري . . . وغيرهم . وألف تآليف عديدة حسنة : منها حاشية على شرح الشيخ عبد الباقي الزرقاني على " مختصر خليل " ، المسماة " بالفتح الرباني ، فيما ذهل عنه الزرقاني " . طار بها طائر الاشتهار ، في سائر المدن والقرى والأمصار ، ونفع اللّه بها العباد ، وتعاطاها الأكابر من أهل الحضر والباد ، وشرح على " السلم " ،